مشكلة الحبوبي والنظام الانتخابي

.

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
14/04/2009 06:00 AM
GMT



                   


خضع النظامُ الانتخابي في عراق ما بعد صدّام لتطويرات كثيرة منذ أول انتخابات عامة جرت فيه، وهي الانتخابات النيابية التي جرت في 30/ 1/ 2005، التي كان نظامها الانتخابي يقوم على ثلاثة أركان: القائمة المغلقة، والتمثيل النسبي، وأن العراق كله منطقة واحدة، في حين أن الانتخابات النيابية التي جرت في 15/ 12/ 2005 اعتمدت المحافظةَ وحدة انتخابية. أما انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، التي جرت في 31/ 1/ 2009، فاعتمدت نظامَ التمثيل النسبي والقائمة المفتوحة، أو شبه المفتوحة.
 وفي الحقيقة، تمثل الانتخابات المتعددة التي شهدها العراق منذ 2005 بمثابة تمارين يختبر فيها النظامَ الانتخابي الأصلح له.
لقد أفرزت الانتخابات الأخيرة مشكلات جديدة تتعلق بطبيعة النظام الانتخابي. هذه المشكلات أسهمت في بلورتها، جزئيا، القوى المحلية، التي عرّفتها في مقال سابق بأنها القوى التي تعبِّر عن واقع محلي لمحافظة ما، وغايتها لا تتعدى هذه المحافظة، بل إنها لا تملك (ولا تطمح أن تملك) مشروعا عابرا للمحافظة يمتد إلى سائر أنحاء البلاد، وبالتالي، هي لا تنشط إلا في محافظتها. وقلت إن  انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة كشفت عن أن هذه القوى تملك إمكانية كبيرة وقوية وأفقا مفتوحا للنمو، وإنها ستكون عمادَ النظام اللامركزي في العراق، وإن بناء النظام اللامركزي انطلاقا من هذه القوى هو أمر حاسم في تصحيح مسار التوجه الذي اتجهت إليه اللامركزية في العراق.
 أبرز المشكلات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة هي ما يمكن أن نسميه (مشكلة يوسف الحبوبي)، وهو مرشح مستقل على مجلس محافظة كربلاء، حصل على المركز الأول فيها بحصوله على 37846 صوتا، أي ما نسبته 13% من أصوات المقترعين، وبفارق كبير عن القائمة التي جاءت بالمركز الثاني، وهي قائمة (أمل الرافدين)، التي حصلت على 26967 صوتا، وعن القائمة التي جاءت بالمركز الثالث، وهي (ائتلاف دولة القانون)، التي يتزعمها رئيس الوزراء نوري المالكي، والتي حصلت على 25649 صوتا.
مشكلة الحبوبي لا تتمثل في الفوز بذاته، بل لقد بدأت المشكلة حين أعلنت قائمتا (أمل الرافدين) و(ائتلاف دولة القانون)، بعد أكثر من أسبوعين من إعلان النتائج، أنهما ستتقاسمان المناصبَ الرئيسة في المحافظة ومجلس المحافظة، من دون أن يكون للحبوبي نصيب في هذه المناصب، بما يعني أن الفرد الذي حصل على أعلى الأصوات في المحافظة لن يكون بإمكانه أن يحصل على أي منصب قيادي في إدارتها المدنية، ولن يكون سوى مجرد عضو في مجلس المحافظة. هذا هو تجريد المشكلة. هذا مع أن القوائم الفائزة في مجلس محافظة كربلاء أعلنت، لاحقا، أنها ستمنح الحبوبي منصب النائب لثاني لمحافظ كربلاء.
 بعد إعلان (أمل الرافدين) و(ائتلاف دولة القانون) تقاسمَ المناصب، خرجت مظاهرات احتجاجية في كربلاء تطالب بتنصيب الحبوبي محافظا، وقد أعلن هو نفسه أنه يطمح إلى هذا المنصب، وأنه سيلجأ إلى القضاء، إذا أقصي عن منصب المحافظ، ليحصل عليه بالطرق القانونية.
 هذه المشكلة لا يمكن أن تظهر إلا في انتخابات مجالس المحافظات، ومع قوى محلية، فيوسف الحبوبي هو فرد، في محافظة، ومن ثم، لا يمكن أن يكون أكثر من كونه زعيما أو إداريا محليا، ذا غاية محلية. ومع أن هناك أفرادا مستقلين فازوا بعضوية مجلس النواب في انتخابات 2005، إلا إنهم لم يحققوا أصواتا تفوق ما حصلت عليه القوائم بما يمكنهم من التصدر، وبالتالي، تمثل حالةُ الحبوبي أول حالة انتخابية يتصدر فيها فرد على سائر القوائم المتنافسة في مجمل الانتخابات التي جرت في العراق، بدءا من سنة 2005، على وفق نظام القوائم.
 كشفت هذه المشكلة عن جملة من المفارقات في النظام الانتخابي المعتَمَد في العراق.
 أولا، إن جزءا من المتنافسين في اللعبة الانتخابية لا يعون شروطها، إذ كان يُفترَض بالحبوبي أن يعي أن دخوله مفردا لن يمكّنه من الحصول على منصب قيادي في لعبة انتخابية قائمة على أساس القوائم. وقد كان بإمكانه أن يقود قائمة ترشحه لمنصب المحافظ في حال فوزه، مع أنه يرى أن هناك تعارضا بين صفة (الاستقلالية)، التي يرى أن الناخبين صوتت له بسببها، وأن يكون رئيسا لقائمة. يقول: "إن الناخبين صوتوا لي لأنني مستقل ولم أرغب في أن أكون رئيسا لقائمة، لأن هذه الحالة تنفي صفة الاستقلالية".
 وفي العموم، ربما لم يكن يوسف الحبوبي يطمح إلى أكثر من منصب عضو في مجلس المحافظة، وربما لم يتوقع أن يحصل على ما حصل عليه، وربما لم يُبدِ رغبته بمنصب المحافظ إلا بعد أن ظهرت النتائج وحصل على أعلى الأصوات، غير أن ما حصل يكشف عن حق أخلاقي في أن يتولى الحبوبي منصب المحافظ، بوصفه الحاصل على أعلى الأصوات، وبين النظام الانتخابي/ القانون الذي يوكل لائتلاف قوائم يملك أكثر من نصف مقاعد مجلس المحافظة أن يرشح محافظا. لقد دعا الحبوبي نفسه، بعد أن اكتشف أن النظام الانتخابي لن يتيح له تولي أي منصب قيادي في محافظة كربلاء حتى وإن كان حاصلا على أعلى الأصوات، إلى "أن تغير مفوضية الانتخابات قوانينها التي تحرم من حصل على أعلى الأصوات من تولي أي منصب".
 وثانيا، أعادت مشكلة يوسف الحبوبي طرح مشكلة إعادة توزيع الأصوات على القوائم الفائزة. ففي النظام الانتخابي القائم، يُعاد توزيع الأصوات التي لم تحصل على العتبة، أي حصلت على أقل من القاسم الانتخابي، على القوائم الفائزة، بشكل نسبي.
 في حالة يوسف الحبوبي، احتُسِبت له الأصوات المعادِلة للقاسم الانتخابي في محافظة كربلاء (10795 صوتا)، وهي الأصوات التي تؤهله للحصول على مقعد واحد، بما أنه فرد وليس قائمة، وأُعيد توزيع باقي الأصوات (27051 صوتا) على القوائم الفائزة، أي إن ما أُعيد توزيعه من أصوات الحبوبي هو أكثر مما حصلت عليه كل من قائمتي (أمل الرافدين) و(ائتلاف دولة القانون).
لقد تنبهت بعض منظمات المجتمع المدني المعنية بمراقبة الانتخابات إلى هذه المشكلة في النظام الانتخابي، غير أنها أرجعت هذا الخللَ، بحسب (شبكة عين العراق لمراقبة الانتخابات)، إلى "خطأ من مفوضية الانتخابات التي فتحت باب تسجيل الكيانات السياسية قبل تشريع قانون الانتخابات، فلو كان القانون قد شُرِّع من البرلمان في الوقت المحدد له وأخذ المساحة الكافية، لما لجأت المفوضية إلى فتح التسجيل للكيانات السياسية". وأضافت الشبكة، في تصريح صحفي: "إن بعض الكيانات سجلت في قوائم فردية وهي لا تعلم ما هو قانون الانتخابات، وقد تفاجأت باعتماد القائمة المفتوحة". وتابعت بالقول: "إن الكيانات السياسية الفردية لو درست القانون بدقة لما كانت سجلت كقوائم منفردة ولكانت دخلت ضمن قوائم مع مستقلين وليس بالضرورة مع أي حزب". وخلصت الشبكة إلى أن "الآلية التي سيتم اتباعها في عملية توزيع المقاعد ستساعد القوائم التي تضم عددا من المرشحين في الحصول على مقعد على الرغم من عدم حصولها على أصوات أكثر من الأصوات التي حصلت عليها كيانات فردية".
هنا، لم تعد المسألة مجرد إعادة توزيع أصوات لمرشح لم يحصل على العتبة، أو حصل على أقل من القاسم الانتخابي، بل إعادة توزيع أصوات الفرد الذي حصل على أعلى حصة من الأصوات، أي: تفكيك وإعادة توزيع الكتلة الكبرى من أصوات الناخبين بما يخالف إرادتهم.
والمفارقة أن الناخبين الذين صوّتوا ليوسف الحبوبي قد يكونون صوّتوا له مناهضة للقوائم الأخرى، أو لمن شارك في الإدارات المدنية السابقة، غير أن أصواتهم أُعيد توزيعها لصالح من صوّتوا ضدّهم.
هذا هو وجه المفارقة اللاعادلة في إعادة توزيع الأصوات. لقد عبّر عن ذلك أحدُ أهالي كربلاء، ممن تظاهر احتجاجا على ما عُدّ (إقصاء) للحبوبي عن منصب المحافظ، حين طالب بأن "يؤخذ رأي الأغلبية التي رشحت الحبوبي وليس أن تحكم الأقلية التي حصل قسم منها على عدد قليل جدا من الأصوات"، كما أن النائبة صفية السهيل أصدرت بيانا عن مشكلة الحبوبي، قالت فيه: "إن إقصاءه ]الحبوبي[ بهذه الطريقة بمثابة احتلال للمقاعد المهمة في المحافظة"، واصفة "ما يحصل الآن في محافظة كربلاء من عمليات التفاف وإقصاء للمرشح الفائز بأغلبية أصوات أبناء المحافظة هو عدم التزام بنتائج الانتخابات مما سيؤدي إلى عدم اكتراث الناخبين في المحافظة وعموم العراق بالعمليات الانتخابية اللاحقة وستؤدي أيضا إلى عزوف كبير بالمشاركة فيها". وتابعت السهيل قائلة: "إن ثقة الشعب العراقي بمصداقية انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة أمام اختبار وامتحان صعب، إذ أن الآلية الأساسية والمفتاح الأساسي للديمقراطية هي الانتخابات التي تعكس خيارات الشعب والتي يجب أن تحترم إرادته من قبل كل المشاركين بالعملية الديمقراطية". وأضافت: "إن إقصاء السيد الحبوبي من شأنه أن ينسف مصداقية ومستقبل العملية الديمقراطية في نفوس الشعب العراقي"، كما دعت مفوضيةَ الانتخابات إلى أن "تعيد النظر بالطريقة التي تتم من خلالها احتساب الأصوات فليس من المعقول أن تقوم الأقلية بحكم الأكثرية في كربلاء، فهذا مخالف للديمقراطية وإرادة الشعب". هذه الدعوة تكررت كثيرا. لقد قال أحد المتظاهرين في كربلاء: "ما نريده هو أن تكون الديمقراطية هي الحل، وليس القوانين التي يتم وضعها بما يتلاءم مع المصالح الأخرى".
وثالثا، حتى لو جرى تطوير النظام الانتخابي بما يسمح لفرد متصدر بتولي منصب المحافظ، فكيف يمكن لهذا المحافظ أن يعمل مع مجلس محافظة تسيطر عليه كتل متنافسة تقيده.
وفي كل الأحوال، ستسهم مشكلة الحبوبي، بشكل جدي، في إعادة التفكير في النظام الانتخابي القائم.